الثلاثاء، 19 فبراير 2019

[16] الشيخ الكليني ورواية «إنّ الله يغضب لغضب فاطمة»


بسم الله الرحمن الرحيم
الشيخ الكليني ورواية «إنّ الله يغضب لغضب فاطمة»

بقلم الشيخ: إبراهيم جواد.

يعتبر كتاب الكافي من أهمّ الكتب الحديثية عند الإمامية، ومن هذا المنطلق أراد ميثاق العسر أن يطرح شكوكاً حول حديث غضب فاطمة (عليها السلام) من خلال عدم إيراد الكلينيّ رحمه الله لهذا الحديث في كتابه، وحاول أن يطرح احتمال أنّ سبب عدم رواية الكلينيّ لهذا الحديث هو وجود مشكلةٍ فيه أو أنّه غير مهم بالنسبة إليه، فقال: (وهل يُعقل توافر هذا الحديث الهامّ في كتب أصحاب الأصول الّتي استقى الكلينيّ رواياته منها لكنّ الله سلبه التّوفيق من رؤيته مثلاً؟! أو إنّه رآه لكنّه جزم بعدم أهميّته وفائدته قياساً بما ذكره من مفردات عن خصوصيّات فاطمة "ع" خلافاً لما شعر به الّلاحقون المذهبيّون من أهميّة بالغة له في الحِجاج مع الآخر واستنباط عشرات المقولات المذهبيّة العميقة؟! أو لا هذا ولا ذاك وإنّما لجزمه بكونه من الموضوعات المنحولات؟!).

وتوهُّمُ احتمالِ أنّ عدم رواية الكليني لهذا الحديث بسبب مشكلةٍ في صدوره أو لجزمه بعدم أهميّته عبارة عن خيالاتٍ فاسدةٍ، ولا يصحُّ التمسُّكُ بها، ونوضِّحُ هذا عبر النقاط التالية:

أولاً: إنَّ عدم رواية الكليني للحديث في الكافي، ومن ثمّ احتمال أنه تركه لأنه غير معتبر عنده، توهُّمٌ يتّكئ على استدلالٍ ناقصٍ يعاني من وجود ثغرةٍ فيه، حيث قفزَ المشكِّكُ بين المقدمة والنتيجة تاركاً فراغاً لا بُدَّ من ملئِه، فإنّه يلزمه - لتقوية هذا الاحتمال - تثبيت مقدّمةٍ في رتبة سابقة وهي أنّ الكليني كان في مقام حصر جميع الروايات المعتبرة عنده، وحينها يمكننا أن نستنبطَ أنّ ما أهمله هو مقدوحٌ فيه عنده، فهل هناك دليلٌ يشيرُ إلى أنّ الكليني كان يهدفُ إلى جمع كلّ الأحاديث المعتبرة التي رواها أصحاب الأئمة (عليهم السلام)؟!

ثانياً: إنّ أخبار فضائل فاطمة (عليها السلام) ومناقبها وخصائصها في كتاب الكافي قد أفردها الشيخ الكليني في كتاب (الحُجَّة)، وهذا الكتاب قد أفرده للحديث عن المعصومين وصفاتهم، وهو في عمله لهذا الكتاب قد بنى على عدم التوسعة الوافية كما ذكر ذلك في مقدمة كتابه، حيثُ قال إنّه لم يستوفِ كُلَّ ما لديه فيما يخصُّ الأحاديث في شأن كتاب الحُجَّةِ، وصرَّح بأنّه عازمٌ على تأليف كتابٍ أكبر منه يوفيه حقوقه فيه، قال رحمه الله: (ووسَّعنا كتابَ الحُجَّة قليلاً وإنْ لم نكمله على استحقاقه، لأنّنا كرهنا أن نبخسَ حظوظه كلها، وأرجو أن يُسهِّلَ اللهُ عزَّ وجلَّ إمضاءَ ما قدَّمنا من النيَّةِ إنْ تأخَّرَ الأَجلُ صنَّفْنَا كِتاباً أَوسعَ منه، نوّفيه حقوقَهُ كُلَّها إنْ شاء الله تعالى) [الكافي، ج1، ص18].
وهنا لا بدّ أن نشير إلى أنّ عدد الأحاديث التي رواها الكليني في الباب الخاصّ بالسيدة الزهراء سلام الله عليها في كتاب الحُجَّة هو (10) أحاديث، أما الأحاديث الأخرى التي رواها في شأن بعض ما يتعلق بالزهراء (عليها السلام) فقد جاءت عَرَضاً في سياق الأحاديث الفقهية والعقائديّة وغيرها، وكلامنا هنا عن المناقب والفضائل التي موضعها كتاب الحجة.
فهل يحتمل أن كل ما ثبت عنده في حقّها هو عشرة أحاديث فقط؟ إذا تأمّلتَ ما ذكرهُ في المقدمة سيتضح لك جلياً أنّ الكليني بنى في كتاب الحجة على الاختصار، وأنه لم يكن متوسِّعاً بما فيه الكفاية.
وبناءً على هذا: فإنّه لا يمكن احتمال أنّ كلَّ ما لم يروهِ الكلينيُّ في كتاب الحجَّةِ ليس معتبراً عنده؛ لأنّه صرَّحَ بأنه لم يضع في كتاب الحجة كل ما لديه، وأنّه لا زال لديه الكثير من الأحاديث التي تستحقّ أن تُروى في كتاب الحُجَّةِ، وقد نوى أن يُصنِّفَها في كتابٍ مستقلٍ أوسع من ذلك الكتاب.

ثالثاً: إنّ الاتكاء على مثل هذه الدعاوى للتلويح بضعف الحديث عند الكليني نابعةٌ من الجهل بطريقة المحدِّثين في تأليف كتب الحديث، فإنّ غالبهم لم يكن في مقام حصر كل الأحاديث، ولهذا نرى أنّ بين أحاديثهم مناطق مشتركة ومناطق يتفرّد بها بعضُهم دون البقيّة، فقد ترى حديثاً عند الكليني والصدوق ولا تراه عند الخزّاز القمي، وقد ترى حديثاً عند النعماني ولا تراه عند الطوسي، وهكذا.. فإنّ كلاً منهم لمّا صنَّف كتبه لم يكن عازماً على جمع كل ما رُوي في الموضوع الذي صنَّفَ فيه، وهذا الأمر ليس حكراً على الشيعة الإمامية، بل موجودٌ عند أهل السنة أيضاً، فإنّ البخاري ومسلم رغم ما بذلاه من جهدٍ لجمع الحديث الصحيح قد تركا كمَّاً كبيراً من الأحاديث الصحيحة على شروطهما، حتى جاء مِنْ بعدهما مَن استدركَ عليهما، وهذه النكتة تجري في مصنِّفي الصحاح والسنن والمسانيد عند أهل السنة أيضاً، فتأمّل.

رابعاً: أما دعوى احتمال أن الكليني رأى الحديثَ وجزم بعدم أهميّته وفائدته، فهي من الرجم بالغيب، وهل كان المشكك من طلاب الكليني ومعاصريه المطّلعين على أحواله عن قرب ليحتمل مثل هذا الاحتمال؟! وهذه الدعوى الاحتماليّة يكفي في خدشها احتمالُ شيء آخر، وهو أنّه يُحتمل أن الكليني رأى الحديث ونوى أن يضعه في كتاب الحجة، ويقويّ هذا ما ذكره أنه لم يستوفِ كل ما لديه في شأن أحاديث كتاب الحجة، فما المرجّح لمثل هذا الاحتمال على غيره؟

ومن هنا: لا ينبغي أن يُحتمل في حقِّ حديثٍ ترك روايته محدِّثٌ ما أنّه مخدوشٌ عنده لمجرد عدم روايته له، فإنّ هذا لازم أعمّ، ولا يصح الاستناد إليه في استنباط علّة ترك روايته.
وبهذا يظهرُ لك: أنّ ميثاق العسر يحاول أن يسجِّلَ كل ما هبَّ ودبَّ للإشكال على الحديث ولو بدون  تأمُّل في مناهج الحديث ومباني المحدّثين ومسالكهم، وجديرٌ بمن هذا مبلغهم من الدقّة في النظر أن تكون إشكالاتهم بهذا المستوى السطحيّ.

مما ذكره الكليني في المقدمة لكتاب الكافي، وفيها نصَّ على أنه لم يستوفِ كل الأحاديث في كتاب الحجّة، وأنه سيصنف كتاباً أكبر منه إن تأخر أوان موته.

الاثنين، 18 فبراير 2019

[15] نقض شبهات ميثاق العسر حول حديث (يؤذيني ما آذاها) – الحلقة الثانية


بسم الله الرحمن الرحيم
نقض شبهات ميثاق العسر حول حديث (يؤذيني ما آذاها) – الحلقة الثانية

بقلم الشيخ: إبراهيم جواد.

المرحلة الثالثة: وفيها سوف نبحث عن دلالة الحديث وكلام أهل السنة من جهة وقوع مذمَّةٍ باقيةٍ على أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما لو فرضنا أنّه خطبَ بنت أبي جهلٍ وفقاً لقواعد أهل السنة.

مقدّمة:
أشرنا في الحلقة الأولى إلى أنَّ وجود قصّة خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) بنت أبي جهل لا يضرُّ باستدلال الشيعة بالحديث على أهل السنّة، وذلك أنّ مقام الإلزام لا يُوجِبُ الإيمان بصدور الحديث أصلاً؛ لأننا نلزمهم بما يلتزمون به، ورغم أنّ هذا الإشكال ظهر من الحلقات الأولى للمشكك، إلا أنّه حاول التفلُّتَ منه بعد ظهور ركاكته، ولجأ فيما بعد إلى إبرازِ تصويرٍ آخر لتهمة التبعيض التي نسبها إلى الشيعة، وقد وقع في تصوير أكثر وهناً مما سبقه، إذ حاول «التذاكي» بطريقة أخرى يُفسِد بها استدلال الشيعة، فقال في تعليقٍ له على المقال الأوَّلِ، ما نصّه: (أمّا محلّ حديثنا: فأنا لا أنكر على جماعتنا أن يحاججوا أهل السُنّة بمثل هذه الرّواية، ولكنّ انتقد محاججتهم إيّاهم من خلال التّبعيض، بل ينبغي أن نقول لهم: لقد ثبت عندكم إنّ عليّاً "ع" أغضب الزّهراء "ع" حينما أراد الزّواج عليها فقال له رسول الله "ص": "فاطمة بضعة منّي من آذاها آذاني"، وحيث قد ثبت في صحاحكم أيضاً: إنّ فاطمة ماتت وهي واجدة على أبي بكر، إذن فهو قد آذى رسول الله "ص" أيضاً كما آذى عليّ "ع" رسول الله "ص" أيضاً!! هذا كلّ ما أريد قوله،..).

فهو هنا يتظاهرُ بأنّه لا يمانع من الالتزام بأنّ أبا بكر آذى رسول الله في ابنته، ولكنّه يريدُ أن يُفسد استدلال الشيعة بإلزامهم أن يقولوا خلال محاججة أهل السنة: إنّ علياً (عليه السلام) آذى رسول الله (صلى الله عليه وآله)!
وهذا الكلام فاسدٌ، ولا يصحّ إلزام الشيعة به، كما أن أهل السنة لا يلتزمون به وفقاً لما تفيده أدلّتهم، وهنا نعودُ مرَّةً أخرى إلى تعليم هذا المتحاذق المتذاكي قواعد الإلزام وشيئاً من فنون الاستدلال، فنقول:
إنَّ الحديث عن وقوع أبي بكر مصداقاً لغضب الزهراء (عليها السلام) مما لا شكَّ فيه، ورواية البخاري واضحةٌ في ذلك أشدّ الوضوح، وهذا لا كلام لنا فيه.
أما بالنسبة إلى محاولة إلزام الشيعة في احتجاجهم على أهل السنّة بأنّ علياً (عليه السلام) قد آذى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنّه مصداقٌ للإيذاء أيضاً، فهذا لا يصح وفقاً للمعطيات الموجودة في أدلة أهل السنة، وذلك ببيان وجهين- والكلام وفقاً للمنهج السنيّ -:
الوجه الأوّل: أنه خلاف دلالة أحاديث خطبة بنت أبي جهل وسياق الأحداث.
الوجه الثاني: أنّ علماء أهل السنة لم يلتزموا بذلك، ولم يستنبطوه من الروايات.

فيظهرُ أنّ ميثاقَ العسر - بكلّ حماسٍ وثقة - يحاول رفع سقف شروط الاستدلال بنحوٍ لا يدّعيه أهل السنة أنفسهم، بل يحاول فرض شروطٍ للاستدلال يخجلُ الوهابيّة من فرضها؛ لأنهم يعلمون أنّ أحاديثهم لا تساعد على مثل هذا المُدَّعى.

أما بيان الوجه الأول فيتضح من خلال هذه النقاط:

أوَّلاً: وفقاً للروايات السنيّة المعتبرة وتبعاً لمنهجهم في التحليل،  فإنّه يبدو من الرواية أنّ علياً (عليه السلام) لم يكن عالماً بأنّ ذلك مما تكرهه السيّدة الزهراء (عليها السلام)، أو لم يكن مما انقدح في ذهنه بأن هذا تكون عاقبته بهذا النحو، وحينما بلغهُ كلام النبيّ حول خطورة أذيّة الزهراء انصرفَ عن الأمرِ بشكلٍ نهائيٍّ، ويشيرُ إلى ذلك بعض الروايات والسير التاريخي للأحداث.

أما الروايات، فمنها ما رواه أحمد بن حنبل في كتابه (فضائل الصحابة): (نا أبو اليمان قال: أنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني علي بن حسين أن المسور بن مخرمة أخبره أن علي بن أبي طالب خطب ابنة أبي جهل، وعنده فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: فلما سمعت بذلك فاطمة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له: إن قومك يتحدثون أنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكحاً ابنة أبي جهل.
قال المسور: فقام النبي صلى الله عليه وسلم، فسمعته حين تشهد ثم قال: «أما بعد، فإني أنكحت أبا العاص بن الربيع، فحدثني فصدقني، وإن فاطمة بنت محمد مضغة مني، وأنا أكره أن يفتنوها، وإنها والله لا تجتمع ابنة رسول الله وابنة عدو الله عند رجل واحد أبداً» قال: فنزل علي عن الخطبة).
قال المحقق وصيّ الله بن محمد عباس: (إسناده صحيح)(1).
ورواه مسلم في «صحيحه» من طريق أبي اليمان بإسناده، ولفظه: (فترك عليٌّ الخِطبةَ)(2).
وفي مرسل الشعبي، قال بلفظ: (لا آتي شيئاً تكرهه) (3).
وفي مرسل ابن أبي مليكة، قال بلفظ: (فسكت عليٌّ عن ذلك النكاح وتركه) (4).
إذن؛ من جهة الروايات: هي تشهدُ بأنّ علياً (عليه السلام) قد انصرف عمّا يؤذي الزهراءَ وأباها صلوات الله عليهما، وأهل السنة يلتزمون بصحّة بعض هذه الروايات المذكورة.

وأما السير التاريخي للأحداث فواضحٌ، فإنّه لم يُنقل لنا نقلٌ صحيح ولا ضعيف أنّ علياً (عليه السلام) قد بقي مُصرَّاً على الزواج بابنة أبي جهلٍ، فهذا يعني أنّه قد أرضى الله ورسوله بترك ما يُؤذي الزهراء (عليها السلام)، وبذلك رضي الله ورسوله عنه؛ لأنه تجنَّبَ ما يؤذي سيدة نساء العالمين (عليها السلام)، فهل المنصرف عن الخطأ يبقى مذموماً؟ وكيف يكون مع انصرافه وتركه مستحقاً للغضب؟ وهل هذا إلا إجحافٌ وظُلمٌ؟! وواضح جدَّاً كما عُبِّرَ عند بعضهم بما حاصله أنَّ «العدالة تسقطُ بالإصرار على الذنب، وبالنسبة لأمير المؤمنين عليه السلام بحسب الروايات السنيّة فإنها تُظهرُ عدم علمه بحكم إغضاب فاطمة فلا إثم عليه، وبالتالي هذا لا يمسُّ عدالتَهُ بعكس القوم وإصرارهم على الذنب حباً للمال والرئاسة».

ثانياً: لو سلّمنا أنّ علياً (عليه السلام) كان عالماً بأنّ إقدامه على الخِطبة سوف يؤذي النبيَّ والزهراء (صلوات الله عليهما) فهذا غايةُ ما فيه أنّهُ ذَنبٌ، والتائبُ من الذنب الراجع عنه كمن لا ذنب له، فإنّه نزل على طاعة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد ماتت الزهراء (عليها السلام) وهي راضية عنه، ولم يرد أنّه آذاها فيما بعد، على أنّ ادّعاء مثل هذه الدعوى يحتاجُ إلى دليل، فإنّه لا يظهرُ من الروايات السُّنيَّةِ أنّه كان عالماً باستلزام الخِطبة للأذيّة، فتأمَّل.

أما بيان الوجه الثاني: فإنّ علماء أهل السنة لا يلتزمون بأنّ علياً (عليه السلام) مصداقٌ للأذيّة ومستحقٌّ للغضب بهذا اللحاظ؛ لأنّه ترك الأمر الموجب للغضب والأذى بشكل تامّ، وهنا نذكر جملة من أقوال علمائهم:

1. قال الطحاوي في (شرح مشكل الآثار): (فكان في هذه الآثار أن علياً عليه السلام قد كان خطب تلك المرأة، فاحتمل أن يكون ذلك كان منه وهو لا يرى أنّ ذلك يقعَ من رسول الله الموقعَ الذي وقع منه، فلما علم بذلك تركه وأضربَ عنه، واختار ما يَحْسُنُ موقعه من رسول الله فلزِمَهُ فكان على ذلك محموداً) (5).

2. قال القرطبيّ في (المُفهم): (وقوله: «فترك عليٌّ الخطبة» يعني: لابنة أبي جهل وغيرها، ولم يتزوَّج عليها ولا تسرَّى حتى ماتت رضي الله عنها) (6).

3. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: (وجاء أيضاً أن علياً استأذن بنفسه فأخرج الحاكم بإسناد صحيح إلى سويد بن غفلة - وهو أحد المخضرمين ممن أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يلقه -، قال: خطب علي بنت أبي جهل إلى عمها الحارث بن هشام فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «أعن حسبها تسألني؟» فقال: «لا، ولكن أتأمرني بها؟» قال: «لا، فاطمة مضغة مني ولا أحسب إلا أنها تحزن أو تجزع». فقال علي: «لا آتي شيئاً تكرهه»، ولعل هذا الاستئذان وقع بعد خطبة النبي صلى الله عليه وسلم بما خطب ولم يحضر علي الخطبة المذكورة فاستشار فلما قال له: «لا» لم يتعرض بعد ذلك لطلبها، ولهذا جاء آخر حديث شعيب عن الزهري: فترك علي الخطبة) (7).

4. قال العينيّ في (عمدة القاري): (وكان عليٌّ رضي الله تعالى عنه قد أخذ بعموم الجواز، فلما أنكره النبي صلى الله عليه وسلم أعرض عن الخطبة) (8).

5. قال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحيّ: (قوله: «إنّ بني هشام بن المغيرة استأذنوا في أن يُنكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب، فلا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن» يعني في المستقبل، وإلا فإنّ علياً لا يُمكن أن يستمرَّ في الخطبة بعد علمه عدم إذن النبيّ)(9).
فانظر إلى كيفيّة استدلال الوهابيّ وتعامله مع أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكيف أنّ ميثاق العسر يتغالى في التشديد على الاستدلال بالحديث ويضع مزيداً من القيود عليه بحيث يُضعف استدلال الشيعة ويوهنه بادّعاء أمورٍ لا تثبت بدلالة الحديث ولا بدعوى أهل السنة أو التزامهم!!

بل صرّح بعضهم أنّ خطبة النبي (صلى الله عليه وآله) وكلامه على المنبر لم يكن لمنع عليٍّ (عليه السلام)، ولا كان موجَّهاً إليه، بل أراد النبيُّ أن يُبرِزَ الحُكمَ والحِكْمةَ قطعاً لنشر الخبر حول الخطبة وما يلحقه من تأويلات، قال موسى شاهين لاشين: (ولا مانع من كون الخطبة بعد استشارة عليّ رضي الله عنه، وبعد وعده بعدم الزواج منها، إذ لم تكن الخُطبة [يقصد خطبة النبي على المنبر] لمنعِ عليٍّ، وإنما كانت لبيان الحكم والحكمة، قطعاً لنشر الخبر وتأويلاته) (10).

ومن هنا يظهرُ لكَ: أنّ ما يرغبُ به ميثاق العسر من جعل الحديث السنيِّ دالاً على كون أمير المؤمنين مصداقاً لأذيّة النبي والزهراء (عليهما السلام) لا يلتزمُ به الوهّابية، ولا تنطقُ به الأدلّة، فكيف اخترع هذا؟ ومن أين أتى به؟ هذا ما يتّسمُ به منطقه، فهو يخترعُ من كيسه ما لا حظّ له من التحقيق والإنصاف، ومع ذلك يتشدّقُ به على الملأ، فكان بذلك ضارباً بالسهم الأخيب ورامياً بأفوق ناصلٍ، ولله في خلقه شؤون!

ومع ما تقدَّمَ: كيف يصحُّ جعل أبي بكر وأمير المؤمنين (عليه السلام) على نفس الكفّة؟! فإنّ الزهراء ماتت غاضبةً على أبي بكر كما ثبت بالدليل الصحيح ولم تأذن بحضوره في دفنها، أما أمير المؤمنين (عليه السلام) فإنّه بمجرد علمه بأنّ تلك الخِطبة تؤذي النبيَّ والزهراء (صلى الله عليهما) تركها فوراً، بينما أبو بكر مع إغضابه للزهراء (عليها السلام) بقي مصرَّاً على ما هو فيه حتى ماتت غاضبةً عليه، فشتّان ما بينهما!

فيتحصّل من ذلك: أنّ أبا بكر وحده هو المصداق لأذيّة رسول الله والزهراء (صلوات الله عليهما) دون أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهذا ما تنطقُ به الروايات السنيّة والسير التاريخي للأحداث، وبذلك لا يقدرُ أهل السنة على أن يدَّعوا أنّ أمير المؤمنين مشمول بالغضب وفقاً للحديث، وهم لا يدّعون ذلك، ولا ادَّعوا ذلك أصلاً، وأمّا دعوى العسر هذه فهي من إفراطِه في بناءِ منهج استدلالٍ متشدِّدٍ بنحو يتفوّقُ فيه على شروط الوهابية وتعنّتهم في الحوار، فليُتأمّل هذا الأمر كثيراً، والله المطّلع على السرائر.

والنتيجة: إنَّ استدلال علماء الشيعة لا يقوم على التبعيض كما ادّعى هذا المشكِّكُ، فاحتجاجهم بالحديث على أهل السنة منضبطٌ وفقاً لمعايير المناظرة والإلزام، فهم لا يرون علياً (عليه السلام) مصداقاً للغضب عليه، وذلك لما ثبت من تراجعه وانقياده لكلام النبي (صلى الله عليه وآله)، أما بالنسبة إلى ما عند الشيعة فهو أهون؛ لأن إقدام الإمام على خِطبة بنت أبي جهل لم يثبت عندهم مطلقاً، فوقوع الغضب عليه منتفٍ تماماً، وبذلك يتمُّ الاحتجاج على أهل السنة من هذه الجهة، وهو تامٌّ بلا إشكالٍ، والحمد لله رب العالمين.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فضائل الصحابة، ج2، ص947-948، رقم الحديث 1329، تحقيق: وصي الله بن محمد عباس، الناشر: دار ابن الجوزي-الدّمام، الطبعة: الثانية، سنة النشر: 1420هـ/1999م.
(2) صحيح مسلم، ج6، ص300، رقم الحديث 2526، كتاب ذكر فضائل أصحاب النبي، باب فضائل فاطمة بنت النبي، ح3، تحقيق: مركز البحوث وتقنية المعلومات بدار التأصيل، الناشر: دار التأصيل – القاهرة، الطبعة: الأولى، سنة النشر: 1435هـ/2014م.
(3) فضائل الصحابة، ج2، ص944-945، رقم الحديث 1323، تحقيق: وصي الله بن محمد عباس، الناشر: دار ابن الجوزي-الدّمام، الطبعة: الثانية، سنة النشر: 1420هـ/1999م.
(4) فضائل الصحابة، ج2، ص948، رقم الحديث 1330، تحقيق: وصي الله بن محمد عباس، الناشر: دار ابن الجوزي-الدّمام، الطبعة: الثانية، سنة النشر: 1420هـ/1999م.
(5) شرح مشكل الآثار، ج12، ص516، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة- بيروت، الطبعة: الثانية، سنة النشر: 1427هـ/2006م.
(6) المُفهم لما أُشكل من تلخيص كتاب مسلم، ج6، ص354، تحقيق: محيي الدين مستو-يوسف بديوي-أحمد السيد-محمود بزّال، الناشر: دار ابن كثير-دمشق، الطبعة: الرابعة، سنة النشر: 1429 هـ/2008م.
(7) فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج11، ص680-681، اعتنى به: أبو قتيبة نظر محمد الفاريابي، الناشر: دار طيبة-الرياض، الطبعة: الثالثة، سنة النشر: 1431هـ/2010م.
(8) عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ج16، ص230،  الناشر: دار الفكر – بيروت، مصوّرة عن طبعة  إدارة الطباعة المنيرية لصاحبها: محمد منير عبده آغا الدمشقيّ.
(9) منحة الملك الجليل شرح صحيح محمد بن إسماعيل، ج9، ص445، الطبعة: الأولى، سنة النشر: 1434هـ/2013م.
(10) فتح المنعم شرح صحيح مسلم، ج9، ص414، الطبعة: الثانية، سنة النشر: 1429هـ/2008م.

الجمعة، 15 فبراير 2019

[14] نقض شبهات ميثاق العسر حول حديث (يؤذيني ما آذاها) – الحلقة الأولى


بسم الله الرحمن الرحيم
نقض شبهات ميثاق العسر حول حديث (يؤذيني ما آذاها) – الحلقة الأولى

بقلم الشيخ: إبراهيم جواد.

الحمدُ لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين أبي القاسم محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين؛ أما بعد:-

نشرَ بعض مثيري الشبهات العقائديّة في مواقع التواصل الاجتماعيّ بعض التشكيكات حول الحديث المرويّ عن النبي (صلى الله عليه وآله) في شأن غضب فاطمة (عليها السلام)، وقد أطالَ هذراً، وأفاضَ في مغالطاته، مستعملاً بعض الحِيل التي تنطلي على من لا يعرف حقيقة أساليب التلاعب بالحقائق العلميّة، والعجيبُ في ذلك أنّه يكرر على مسامع متابعيه أنّه في مقام التحقيق العلميّ النزيه، وسرعان ما وجدناهُ يمارس الأساليب المُنكرة في الالتواء على الحقيقة ومحاولة طمسها والتشويش عليها، مستعيناً بالخلط والتلبيس، وحاصلُ كلامه أنّ هذا الحديث بصيغته السنيّة والشيعيّة لا تخلو من مشاكل تمنعُ عن استنباط أمرٍ عقائديٍّ منه كما يفعل علماء الإماميّة، ومن هذا المنطلق سوف نُقسِّمُ الجوابَ إلى محورين:
المحور الأوّل: ملاحظة الإشكالات المانعة من الاحتجاج به على أهل السنة وإلزامهم به.
المحور الثاني: ملاحظة الإشكالات على ثبوت هذا المضمون وفقاً للأدلة من كتب الشيعة.

وهذان المحوران كفيلان بجمع تمام ما طُرح للإشكال على الحديث، فإنَّ المرءَ في مقام التعامل مع الحجج العقليّة والروائيّة إما أنّه يأخذُ بها لإلزام الخصم والاحتجاج عليه، أو أنه يأخذ بها للاعتقاد القلبيّ كحجّة بينه وبين ربه، ولكلّ من المقامين خصوصيّات مُنفردة، وفي هذه الحلقة سوف نتعرَّضُ للمحور الأول لنقاش ما طُرح على أنه مانعٌ من الاحتجاج بهذا الحديث على أهل السنة وفقاً لقواعدهم، وسيظهرُ مدى الخلط والمغالطة التي حاول الكاتبُ تمريرها على القُرَّاء، وسوف نبيّن في مراحل لاحقة ثبوت التلازم بين غضب الله وغضب فاطمة (عليها السلام) وفقاً لقواعد وأصول الشيعة، حتى مع سقوط روايات السنة وتضعيف أسانيد هذا الخبر في بعض كتب الحديث الشيعيّة، فهذا الأمرُ غير منوطٍ بسندٍ هنا وهناك، وللشيعة في إثبات ذلك حججٌ قويّة وبراهين جليّة، وهذا ما سوف نبيّنه في الحلقات القادمة، أما في هذا المقام فسنحاول معالجة ما يتعلق بالمحور الأوّل عبر عدّة مراحل:

المرحلة الأولى: وحاصل إشكاله فيها أنّ حديث غضب فاطمة (عليها السلام) يتضمَّنُ مقطعين أساسيين، أولهما: ما جاء في خِطبة علي (عليه السلام) لبنت أبي جهل، وثانيهما: ما كان من النبيِّ من قولٍ عن أثرِ إغضاب فاطمة (عليها السلام)، وإنَّ الشيعة يمارسون التبعيض في احتجاجهم بالحديث على أهل السنة، حيث يقبلون بالشقِّ الثاني، ويرفضون الشقّ الأول؛ لأن فيه ما يوحي بالإساءة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام).

والجواب: إنّ مقام الاحتجاج على الخصم مغايرٌ لمقام الاعتقاد للنفس، فنحنُ عندما نريد أن نعتقد بحديثٍ ونبني عليه بنياناً عقائدياً علينا أنّ لا نقتطع من سياقه ما نريد ونترك الباقي، والوجه في ذلك أنّ الملتزم بحجية الأمر الفلاني يتعهّدُ بقبوله بأجزائه من دون تبعيض، وعليه فهو لا يقتطع منه ما يُخلّ به على طريقة (فَويْلٌ للمُصَلِّينَ)، وهذا الأمر لا ننازع فيه في مقامنا هذا، ولكن ما غالطَ فيه مثيرُ الشبهة أنّه لم يفرِّق بين مقام الاعتقاد ومقام الاحتجاج، متجاهلاً بذلك لأصل عظيمٍ من أصول المناظرة، فإنّ المقام الأول (مقام الاعتقاد) كما ذكرنا، أما الثاني (مقام الاحتجاج) فإنّه في مقام إلزام الخصم لا يجبُ علينا الإيمان بصدور الحديث أصلاً، فكيف بصدورٍ جزءٍ منه؟ والوجه في ذلك أنّ قوام المناظرة هو احتجاجُ كلِّ طرفٍ على الآخر بما يكون مقبولاً عنده، وإلا لما حصل الإفحام والإلزام، ولا يلزمُ في المُحتجِّ أن يكون مؤمناً بالدليل الذي يُلزِمُ به خصمهَ، وعلى هذا جرت سيرة العقلاء في مناظراتهم، فالملحدون والنّصارى وغيرهم يُحاولون إفحام المسلمين بالاستدلال ببعض آيات القرآن الكريم، فلو استدلّ مسيحيٌّ على مسلمٍ بآيةٍ من سورة الأنعام، فهل من المنطقيِّ أن نُجيبَه: أنت تُبعِّضُ في الحُجيَّة، ويجب عليك أن تؤمن بكافّة سور القرآن؟! هذا لا معنى له، إذ لو كان مؤمناً بالقرآن فلن يسعى للإشكال على الإسلام ببعض آياته!
وهذا يجري أيضاً في حقِّ الوهابية الذين يطرحون الإشكالات علينا مستدلين بأحاديثنا المرويّة في كتبنا، فهل يرى عاقلٌ أن نقول لهم: صدِّقوا بأحاديثنا حرفاً حرفاً قبل أن تحتجوا بها!
وبناءً على ما تقدّم نقول: إنَّ علماء الشيعة لو لم يعتقدوا بصدور الحديث عن النبيِّ من جهة أسانيد أهل السنة فلا يضرُّهم ذلك شيئاً؛ لأنهم لم يذكروا تلك الأحاديث إلا لإلزام من يعتقد بصحّتها، ومن هنا يُقال للسنيِّ: هل تؤمن بهذا الحديث الذي رواه المسور بن مخرمة في الصحيحين؟ فسيقول: نعم؛ لأنّه مرويٌّ في الصحيحين، وأحاديثهما حُجَّةٌ. وبهذا يكون قد التزم بصحّة هذا الحديث، فنحن لا نُلزمهم إلا بأدلةٍ تكون صحيحة وفقاً لمبانيهم!
وهنا لا يخلو الأمر من طرافةٍ عجيبةٍ نبيّن بها تناقضات المشكك، فإنّ هذا الأصل الجاري في المناظرات قد جرى عليه المشكِّكُ نفسه (ميثاق العسر) عندما أثارَ شبهة حيرة الأصحاب بعد وفاة الإمام الصادق (عليه السلام) مستدلاً بحديث هشام ومؤمن الطاق عندما دخلوا على عبد الله الأفطح وامتحنوه، فإنّ ميثاق صرَّحَ أنّه لا يقبل الحديث بصيغته لإشكالٍ فيه من جهة تقییمه لـ«التماسك الداخلي» للحديث كما عبّر آنذاك، وهو رغم عدم قبوله للحديث بتمامه احتجّ به علينا وبنى عليه شبهةً طويلة عريضةً، والتناقض الأكثرُ وضوحًا الذي صدر من هذا المشكِّك أنّ الحديث فيه شقَّان: أولهما ما يُوهِمُ حيرة الأصحاب في شأن إمامة الكاظم، وثانيهما ما يشيرُ إلى إيمان الأصحاب بإمامة الكاظم بعد ظهور معجزةٍ له وإخباره بما في نفوسهم، ومع ذلك جاءَ المشكِّكُ واحتجَّ بالشقِّ الأول وترك الشقَّ الثاني بل بقي يبثّ الشكوك في إمامة الكاظم رغم أن الشق الثاني يثبتها، فنراه هنا مارسَ ما يدَّعيه على علماء الإمامية، وهكذا يتلاعبُ بمناهج الاحتجاج ويخيطُها وفقاً لما تشتهي نفسه، فتارةً يرى جواز الاحتجاج بما لا يعتقد بصحته ويبني عليه إشكالات ضخمة، وتارة يشترط أن يؤمن المحتجُّ بكلّ ما يحتجّ به في المناظرة، وهذا من التلاعب والتدليس، ولا تنطلي هذه الحيل إلا على الضعيف، فهذه الألاعيب يمكن أن تخدعَ الغافل، ولكنها لا تخدعُ من لو اقتدحَ بالنّبع لأورى ناراً!

المرحلة الثانية: وحاصل إشكاله فيها أنَّ الحديث عن غضب فاطمة (عليها السلام) من رواية الصِّبيان، وهذه علَّةٌ قادِحةٌ في صحّته، وبيان وجه الإشكال: أنّ رواية الحديث المفيد لهذا المعنى قد جاء من عدّة طرق عند أهل السنة:
الأول: من طريق المسور بن مخرمة، وقد كان عمره تسع سنوات على أحسن تقديرٍ عند وفاة النبي (صلى الله عليه وآله)، فهذا يعني أنه كان صبيَّاً غير بالغٍ.
الثاني: من طريق عبد الله بن الزبير، وعبد الله من صغار الصحابة، فقد وُلد بالمدينة في السنة الأولى أو الثانية من الهجرة، فيكون عمره عند وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) عشر سنوات.
الثالث: من طريق الحسين بن زيد الشهيد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، وهذا الطريق وإن لم يكن فيه صبيّ، إلا أنه مقدوحٌ في طريقه بعلل في إسناده.

والجواب: إنَّ كون الحديث مرويّاً عن صغار السنِّ لا يقدحُ في صحِّة احتجاج علماء الشيعة به على أهل السنة؛ لأنّ علماء أهل السنة يقبلون بالحديث دون تنظُّرٍ في صحّته من هذه الجهة.
وهذا الإشكال نابعٌ من خلطه بين مقام التحقيق الواقعيّ وبين مقام الإلزام، فإنّ التحقيق في رواية الصبيِّ – ولسنا بصدده - ربما يُفضي إلى عدم اعتبارها، أما إلزام المُعتَقِدِ بها فلا إشكال فيه، ولا يخفى أنّ علماء السُّنَّةِ يعتقدون بصحّة خبر المسور بن مخرمة وعبد الله بن الزبير وإن كانا من صغار الصحابة، وذلك أنّهم متّفقون على صحَّة وحجيَّة رواية الصحابيِّ الصغير بشرط أن يكون قد أدّى الحديث بعد بلوغه، وهنا نذكر جملة من أقوال علماء أهل السنة:

1. قال الغزاليّ في كتابه (المستصفى): (أما إذا كان طفلاً مميزاً عند التحمل، بالغاً عند الرواية فإنه يقبل؛ لأنه لا خلل في تحمُّله ولا في أدائه، ويدلُّ على قبول سماعه إجماعُ الصحابة على قبول خبر ابن عباس وابن الزبير والنعمان بن بشير وغيرهم من أحداث الصحابة من غير فرقٍ بين ما تحمَّلُوه بعد البلوغ أو قبله، وعلى ذلك درج السلف والخلف من إحضار الصبيان مجالس الرواية ومن قبول شهادتهم فيما تحملوه في الصغر)(1).

2. قال الفخر الرازيّ في كتابه (المحصول): (المسألة الثانية: إذا كان صبياً عند التحمُّل، بالغاً عند الرواية، قُبِلَتْ روايته لوجوه أربعة:
الأول: إجماع الصحابة، فإنهم قبلوا رواية ابن عباس وابن الزبير والنعمان بن بشير رضي الله عنهم من غير فرق بين ما تحملوه قبل البلوغ أو بعده.
الثاني: إجماع الكل على إحضار الصبيان مجالس الرواية.
الثالث: أن إقدامه على الرواية عند الكبر يدل ظاهراً على ضبطه للحديث الذي سمعه حال الصِّغَر.
الرابع: أجمعنا على أنه تُقبل منه الشهادة التي تحمّلها حال الصغر، فكذا الروايَةُ.
والجامِعُ: أنّه حال الأداء مسلمٌ عاقلٌ بالغٌ يحتَرِزُ عن الكذب)(2).

3. قال ابن قدامة المقدسيّ الحنبليّ: (أما ما سمعه صغيراً، ورواه بعد البلوغ فهو مقبول؛ لأنه لا خلل في سماعه ولا أدائه، ولذلك اتفق السلف على قبول أخبار أصاغر الصحابة كابن عباس وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن الزبير والحسن والحسين والنعمان بن بشير ونظرائهم، وعلى ذلك درج السلف والخلف في إحضارهم الصبيان مجالس السماع، وقبولهم لشهادتهم فيما سمعوه قبل البلوغ) (3).

4. قال أبو الحسن الآمديّ في (الإحكام): (وهذا بخلاف ما إذا تحمل الرواية قبل البلوغ، وكان ضابطاً لها، وأدّاها بعد البلوغ وظهور رشده في دينه، فإنها تكون مقبولة؛ لأنه لا خلل في تحمله ولا في أدائه، ويدل على قبول روايته الإجماع والمعقول.
أما الإجماع فمن وجهين:
الأول: أن الصحابة أجمعت على قبول رواية ابن عباس وابن الزبير والنعمان بن بشير وغيرهم من أحداث الصحابة مطلقاً من غير فرق بين ما تحملوه في حالة الصغر وبعد البلوغ.
الثاني: إجماع السلف والخلف على إحضار الصبيان مجالس الحديث وقبول روايتهم لما تحملوه في حالة الصبا بعد البلوغ.
وأما المعقول: فهو أن التحرز في أمر الشهادة أكثر منه في الرواية، ولهذا اختلف في قبول شهادة العبد، والأكثر على ردها، ولم يختلف في قبول رواية العبد، واعتبر العدد في الشهادة بالإجماع واختلف في اعتباره في الرواية. وقد أجمعنا على أن ما تحمله الصبي من الشهادة قبل البلوغ، إذا شهد به بعد البلوغ قبلت شهادته، فالرواية أولى بالقبول) (4).

5. قال الشوكاني في إرشاده: (أما لو تحمَّلها صبياً وأداها مكلفاً فقد أجمع السلف على قبولها كما في رواية ابن عباس والحسنين ومن كان مماثلاً لهم، كمحمود بن الربيع فإنه روى حديثاً أنه «صلى الله عليه وسلم» مَجَّ في فيه مجةً وهو ابن خمس سنين، واعتمد العلماء روايته) (5).

6. قال الحافظ العراقي في شرح ألفيّته: (وكذلك تُقبل رواية من سمع قبل البلوغ وروى بعده، ومنع من ذلك قومٌ هنا: أي في مسألة الصبيِّ وهو خطأ مردودٌ عليهم، وقولي: «كالسبطين» أي كرواية الحسن والحسين وغيرهما ممن تحمّل في حال صباه كعبد الله بن الزبير والنعمان بن بشير وعبد الله بن عباس والسائب بن يزيد والمسور بن مخرمة ونحوهم، وقَبِلَ النَّاسُ روايتهم من غير فرقٍ بين ما تحمّلوه قبل البلوغ وبعده) (6).
ومثله الحافظ السيوطيّ والحافظ السخاوي في شرحيهما على الألفيّة، فراجع(7).

ولأهل السنة تطبيقاتٌ عمليّة في ذلك حتى في حقِّ غير الصحابة، فإنّهم قد قبلوا رواية المصنف لعبد الرزاق الصنعاني والسنن لأبي داود السجستاني من طريق الصغار، وفي ذلك يقول الحافظ السخاوي: (ومات عبدُ الرزاق وللدبري ست سنين أو سبع، ثم روى عنه عامّة كتبه، ونقلها الناسُ عنه، وكذا سمع القاضي أبو عمر الهاشمي السننَ لأبي داود من اللؤلؤي وله خمسُ سنين، واعتدَّ الناسُ بسماعه وحملوه عنه) (8).

وبناءً على ما تقدَّم: فهذه الرواية مقبولةٌ من جهة وقوعها في «الصحيحين»، ولكون أهل السنة يقبلون رواية الصحابيّ الصغير إذا روى ما حمله في صغره وقتَ بلوغه، ولا شكّ في أنّ رواية المسور بن مخرمة قد وقعت بعد بلوغه؛ لأنّه بحسب الرواية قد لقي الإمام زين العابدين (عليه السلام) بعد معركة كربلاء، وهو قد وُلِدَ في السنة الثانية للهجرة، فيكون عمره وقت الأداء قريباً من 60 سنة، أما الأمرُ بالنسبة إلى عبد الله بن الزبير فهو كذلك؛ لأن الراوي عنه هو ابن أبي مليكة المولود في زمن خلافة أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، أي أنّه وُلِد في وقتٍ كان فيه عبد الله بن الزبير بالغاً، فيلزمُ من ذلك أنّه روى عن ابن الزبير بعد بلوغه.
والنتيجة: الحديث مرويٌّ عن الصحابيين بعد بلوغهما، فيكون مقبولاً على شرط علمائهم.

وهنا نقول للمشكك: إذا كان الكلام عن صحّة الاحتجاج على الحديث وفقاً لمبانيك الشريفة وآرائك الجليلة فلا كلام لنا معك، فخذ آراءك العتيدة وتحقيقاتك الرشيدة وانثرها أينما شئت، وغرِّد بها حيثما أحببت، فما تُشكل به هنا ليس حجَّة على أهل السنة وهم لا يقبلون به، ولا يلزمُ علماء الشيعة في احتجاجهم على أهل السنة؛ لأن المناط في الاحتجاج هو «ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم»، وقد التزموا بصحّة روايات الصحيحين مضافاً إلى صحَّة رواية الصحابي الصغير إذا أدّى الرواية بعد بلوغه، فما تقولهُ منافٍ لقواعد أهل السنة، فما بالُك تحاول نقض احتجاج الشيعة على أهل السنة بما لا يقبله أهل السنة أنفسهم، وهم أجدرُ بأن يردُّوا عليك، ويقولوا لك: تلك شكاة ظاهرٌ عنك عارها!
وكم هو عجيبٌ هذا الإصرار.. أن يتنطَّعَ مُدَّعٍ للتشيع لإبطال حجج الشيعة بما لا يقوله أهل السنة أنفسهم، وهذا المقدار من الحماس المفرط للوفاء للأسياد يذكّرني بحسين المؤيّد الذي وظّفه الوهابية للدفاع عن باطلهم، فأراد أن يُدافع عن عمر في قضيّة رزيّة الخميس، فكان مصداقاً لمقولة: (جاء ليُكحِّلها فأعماها)، حيث أتى بما لا يقبله الوهابية أنفسهم، إذ قال إنّ حديث رزيّة الخميس في صحيحي البخاري ومسلم حديثٌ مكذوبٌ(9)، وهذا كلام لا يقبله علماء المخالفين قاطبةً، فلا أدري ما سرُّ هذا الحماس الشديد والولَه الكبير بإبطال حجج الشيعة على أهل السنة بكلامٍ يستنكره علماء أهل السنة جميعاً!

يأتي الكلام عن المرحلة الثالثة وما بعدها، والحمد لله رب العالمين.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المستصفى من علم الأصول، ج2، ص227، تحقيق: حمزة بن زهير حافظ، الناشر: شركة المدينة المنورة للطباعة.
(2) المحصول في علم أصول الفقه، ج4، ص395، تحقيق: طه جابر فياض العلواني، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الثالثة، سنة النشر: 1418 هـ / 1997م.
(3) روضة الناظر وجنّة المناظر، ج1، ص332-333، تحقيق: شعبان محمد إسماعيل، الناشر: مؤسسة الريان – بيروت، الطبعة: الأولى، سنة النشر: 1419 هـ/1998م.
(4) الإحكام في أصول الأحكام، ج2، ص89-90، تصحيح: عبد الرزاق عفيفي، الناشر: دار الصميعي للنشر والتوزيع-الرياض، الطبعة: الأولى، سنة النشر: 1424هـ/2003م.
(5) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، ج1، ص257-258، تحقيق: أبي سامي بن العربي الأثري، الناشر: دار الفضيلة – الرياض، الطبعة: الأولى، سنة النشر: 1421هـ/2000م.
(6) شرح التبصرة والتذكرة، ج1، ص380، تحقيق: ماهر ياسين الفحل – عبد اللطيف الهميم، الناشر: دار الكتب العلمية-بيروت، الطبعة: الأولى، سنة النشر: 1423 هـ/2002م.
(7) شرح ألفية العراقي في علوم الحديث للحافظ السيوطيّ، ص218، تحقيق: شادي بن محمد سالم النعمان، الناشر: دار ابن حزم للطباعة والنشر، الطبعة: الأولى، سنة النشر: 1429هـ/2008م.
وانظر: فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث للحافظ السخاوي، ج2، ص307-309، تحقيق: عبد الكريم الخضير –محمد بن عبد الله آل فهيد، الناشر: مكتبة المنهاج – الرياض، الطبعة: الأولى، سنة النشر: 1426هـ.
(8) فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث، ج2، ص308، تحقيق: عبد الكريم الخضير –محمد بن عبد الله آل فهيد، الناشر: مكتبة المنهاج – الرياض، الطبعة: الأولى، سنة النشر: 1426هـ.
(9) إتحاف السائل، ص207، الناشر: دار ومكتبة التراث الأدبي-بيروت، الطبعة: الأولى، سنة النشر: 2012.


الخميس، 14 فبراير 2019

[13] زيارة الأربعين عند السيد الخوئي

بسم الله الرحمن الرحيم
زيارة الأربعين عند السيد الخوئي (رحمه الله)


بقلم الشيخ: محمد جاسم.

تعليقاً على ما كتبه ميثاق العسر بعنوان: (زيارة الأربعين عند المرحوم الخوئي) [لاحظ ذيل المقال]:

١ـ إنّ زيارة الحسين (عليه السلام) من المستحبات الأكيدة التي وردت في الحثّ عليها النصوص الكثيرة عن أهل البيت (عليهم السلام)، ولمّا كانت هذه النصوص عامّة فهي تثبت استحباب الزيارة في جميع الأيام والأوقات.
وبعد هذا لا أدري ما هو سبب الإصرار على الحديث عن زيارة الأربعين بخصوصيتها وعن ثبوت أو عدم ثبوت استحباب خاصّ لها؟ ولا أدري ما علاقة ما في نهاية المنشور عن رجال قلوبهم كزبر الحديد لا تأخذهم في الله لومة لائم... (إلى آخر كلامه) بهذه المسألة؟ فهل ينبغي أن نبيّن لكلّ من يتصدّق على الفقراء في كلّ جمعة ـ مثلاً ـ أن التصدّق مستحب بشكل عامّ ولم يرد نصّ خاصّ على التصدّق في يوم الجمعة... وهكذا في بقية الأعمال وإلا كان ذلك تسطيحاً وتجهيلاً؟
إنّ زوّار سيد الشهداء (عليه السلام) راضون بـ(يكتب له ألف حجّة وألف عمرة مبرورة، وإن كان شقيّاً كتب سعيداً، ولم يزل يخوض في رحمة الله عزّ وجلّ) [كامل الزيارات: ٣٠٧] الثابتة للزيارة بشكل عامّ بالسند الصحيح على منهج السيد الخوئي رحمه الله وغيره من العلماء وغير ذلك من الثوابات، ولا حاجة لإثبات زيارة الأربعين بخصوصها.

٢ـ سأضيف إلى ما في المنشور سؤالاً سادساً للسيد الخوئي رحمه الله، وهو: هل سيثيب الله تعالى من يأتي بالعمل الذي ورد استحبابه في الخبر الضعيف؟ وسيكون الجواب حينئذٍ: نعم، فإنّ بعض الروايات الصحيحة ـ والتي تُعرف بروايات (من بلغ) ـ تدلّ على أنّ الله سبحانه سيثيب من يأتي بهذا العمل.

ملاحظة: إنّ السيد الخوئي رحمه الله وإن لم يبنِ على حجّية الخبر الضعيف في باب المستحبات وعلى إثبات استحباب العمل بالخبر الضعيف ـ وهو ما يُعرف بـ(قاعدة التسامح في أدلّة السنن) ـ ، لكنه بنى على دلالة الروايات التي استدلّ بها على هذه القاعدة على ترتب الثواب على العمل إمّا من جهة دلالة الروايات على استحباب العمل بالعنوان الثانوي ـ كما بنى عليه في بعض دوراته الأصولية [دراسات في علم الأصول: ٣٠٢/٣] ـ ، أو من جهة دلالتها على أنّ الله تعالى يعطي الثواب على العمل بفضله ورحمته وإن لم يكن مستحباً بالعنوان الأولي أو الثانوي ـ كما بنى عليه في دورة أصولية أخرى [مصباح الأصول: ٣٦٩/١] ـ .. فالثواب ثابت على العمل عند السيد الخوئي رحمه الله على كلّ حال.


الثلاثاء، 12 فبراير 2019

[12] النصّ على الإمام الكاظم (ع) بين المحكمات والمتشابهات


بسم الله الرحمن الرحيم
النصّ على الإمام الكاظم (عليه السلام) بين المحكمات والمتشابهات

قد يقع السؤال عن سبب عدم إعلام الإمام الصادق (عليه السلام) شيعته بخليفته وتركه إياهم في حيرة بعد وفاته ـ على ما وصفته بعض الروايات ـ، والظاهر أنّ هذا التساؤل البدوي ناتج عن قياس تلك الحقبة الزمنية بزماننا الحالي حيث انتشر التشيّع وبات الشيعة يصرّحون بعقائدهم، إلا أنّ الوضع في زمان الإمام الصادق (عليه السلام) لم يكن على هذه الحال، بل كانت العقيدة الشيعية محظورة وكان المنصور الدوانيقي يخطط لقتل الإمام اللاحق.
ومن هنا كان على الإمام الصادق (عليه السلام) أن يجمع بين مهمين..
أحدهما: حفظ خليفته والشيعة من بطش المنصور؛ لكيلا تضيع الجهود التي بذلها هو والأئمّة من قبله في حفظ هذا المنهج وتنميته.
والثاني: إقامة الحجة الواضحة في شأن إمامة الكاظم (عليه السلام) على أصحابه وبقية الشيعة إلى زماننا، كي لا تندرس معالم الحقّ، ولا تُغلق الأبواب على من أراد معرفة الحجّة في جميع الأزمان.
ومن الواضح أنّ الأمر الأول يقتضي كتمان الخليفة بينما يقتضي الأمر الثاني الإعلان عنه، والجمع بين هذين المهمّين اللذين يتوقّف عليهما بقاء دين الله سبحانه عسير جدّاً، لكنّ الإمام الصادق (عليه السلام) استطاع بحكمته القيام بذلك عن طريق مجموعة من الخطوّات التي يمكن تلخيص بعضها في عدّة نقاط:

١ـ النصّ على إمامة الكاظم (عليه السلام) لجملة من أصحابه، وقد كان ذلك بشكل غير علني وغير شامل لجميع الشيعة ـ لما سيأتي توضيحه ـ، لكنّه كان بمقدار يحقق الغرض من وجود فئة سمعت النصّ على الإمام الكاظم (عليه السلام) ونقلته للطبقات اللاحقة.. وقد كان هذا النصّ مبطّناً ومرموزاً في بعض الأحيان ممّا يكشف عن حجم للتقيّة والتكتّم في هذا الموضوع، وأذكر هنا مثالين من ذلك..
الأول: ما روي عن عبد الرحمن بن الحجاج أنّه سأل الإمام الصادق (عليه السلام) والإمام الكاظم (عليه السلام) جالس عن يمينه: (جعلني الله فداك قد عرفت انقطاعي إليك وخدمتي لك، فمن ولي النّاس بعدك؟ فقال: إنّ موسى قد لبس الدرع وساوى عليه، فقلت له: لا أحتاج بعد هذا إلى شيء) [الكافي: ٣٠٨/١].
الثاني: ما روي عن صفوان الجمّال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صاحب هذا الأمر، فقال: إنّ صاحب هذا الأمر لا يلهو ولا يلعب، وأقبل أبو الحسن موسى ـ وهو صغير ومعه عناق مكّية وهو يقول لها: اسجدي لربّك ـ، فأخذه أبو عبد الله (عليه السلام) وضمّه إليه وقال: بأبي من لا يلهو ولا يلعب) [الكافي: ٣٠٨/١].

٢ـ عدم الإعلان عن الإمام اللاحق لجمع من أصحابه حتى لا يقع الإمام الكاظم (عليه السلام) والشيعة في خطر، وليس لازم ذلك عدم وثوق الإمام بهم ـ كما ادُعي ـ، بل يمكن للكثير من الخطوات العفوية وغير المقصودة أن تلفت الأعداء إلى خليفة الإمام كتردد الشيعة على منزل الإمام الكاظم (عليه السلام) أو إخبار من يوثق به مع عدم كونه ثقة أو نحو ذلك، وفي حديث هشام بن سالم: (وذلك أنّه كان له ـ أي للمنصور الدوانيقي ـ جواسيس ينظرون إلى من اتفقت شيعة جعفر عليه السلام عليه، فيضربون عنقه) [الكافي: ٣٥١/١].
ولا يصحّ الاعتراض: بأنّ حيرة الشيعة يدلّ على عدم نصّ الإمام الصادق (عليه السلام) على ابنه لأحد منهم.. فإنّه يكفي في حيرة الشيعة عدم معرفة جمع منهم الإمام وعدم اتفاق كلمتهم على شيء، ولا ينافي ذلك إلقاء النصّ على بعضهم. وقد لاحظتُ ما ورد من الروايات في نصّ الإمام الصادق (عليه السلام) على الكاظم (عليه السلام) ـ وهي تزيد عن أربعين رواية ـ فلم أجد في رواتها من ورد النصّ على وقوعه في الحيرة كهشام بن سالم ومؤمن الطاق، وهذا بحدّ ذاته منبّه على عدم تهافت الأمرين.
[ولذا التجأ البعض إلى رواية نقلها العلامة المجلسي في البحار عن كفاية الأثر للخزاز القمّي يروي فيها هشام بن سالم (الذي ورد في نصّ آخر نقل حيرته وجهله بالإمام اللاحق) نصّاً يتضمّن ذكر الأئمّة الاثني عشر بأسمائهم (وليس هو من النصوص الخاصّة في الإمام الكاظم، ولا من النصوص العامّة المذكورة في الكتب الأهمّ من هذا الكتاب كالكافي وكمال الدين والعيون)، وجعل ذلك دليلاً على كون نصوص الإمام من الأدلّة بعد الوقوع. ويرد عليه..
(أولاً): إنّ الموجود في كفاية الأثر هو أنّ الراوي للحديث هو: "هشام" من غير تحديد اسم أبيه، وقد نقل العلامة المجلسي الحديث عن كفاية الأثر في البحار في موضعين ورد في أحدهما "هشام" من غير تحديد اسم أبيه أيضاً، وأضيف في الثاني: "هشام بن سالم"، فإضافة "بن سالم" غير موجودة في الكتاب الأصلي، وعليه فيحتمل أنّ يكون الراوي هو هشام آخر كهشام بن الحكم لا هشام بن سالم.
(ثانياً): إنّ بطلان نصّ واحد في كتاب كفاية الأثر لا يثبت بطلان عشرات النصوص في هذه المسألة كما هو واضح.
(ثالثاً): لم يوضّح الكاتب الوجه في جعله رواية الحيرة حاكمة ومقدّمة على رواية كفاية الأثر، وعدم القيام بالعكس].

٣ـ ترتيب الأمر بنحو تتضح فيه إمامة الكاظم (عليه السلام) بعد فترة من وفاة الإمام الصادق (عليه السلام) وتقوم الحجّة الواضحة عليه؛ وذلك لأنّ فترة وفاة الإمام هي فترة تركّز الجواسيس والبحث عمّن تتفق كلمة الشيعة عليه ـ كما تقدّم في رواية هشام بن سالم ـ، ولذا اقتضى ذلك أن يكون الشيعة في حيرة وأن لا يدعوهم الإمام الكاظم (عليه السلام) إلى نفسه إلى حين مرور مدّة من الزمان، فيدعوهم إلى إمامته بعد ذلك ويبيّن لهم الحجة عليها. وهذا ما حصل فعلاً إذ رجع أغلب الشيعة إلى الإمام بعد مرور فترة يسيرة من حيرتهم، وذلك بعد أن أظهر لهم علمه وأجاب عن اختباراتهم وأسئلتهم، ولم يكن هناك شخص آخر يُحتمل في حقّه أن يكون إماماً؛ إذ لم يدعِ خلافة الإمام الصادق (عليه السلام) أحد غيره وغير أخيه عبد الله الأفطح، وعبد الله لم يكن مؤهلاً للإمامة لجهله وعدم قدرته على إجابة أسئلة الأصحاب أولاً، ولوفاته بعد سبعين يوماً من أبيه ثانياً، ممّا أدى إلى رجوع جميع الأصحاب ـ إلا الشاذ منهم ـ إلى الإمام الكاظم (عليه السلام)؛ لظهور علمه وللنصوص الواردة في عدم اجتماع أخوين في الإمامة بعد الحسن والحسين (عليه السلام).. وقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال للإمام الكاظم (عليه السلام): (يا بني، إنّ أخاك سيجلس مجلسي ويدعي الإمامة بعدي، فلا تنازعه بكلمة فإنه أول أهلي لحوقا بي) [اختيار معرفة الرجال: ٥٢٥/٢]، فوفاة عبد الله بعد فترة قريبة كفت الإمام الكاظم (عليه السلام) مؤونة الردّ عليه بما يلفت أنظار النّاس وينافي التكتّم المطلوب في هذه المسألة.

٤ـ جعل الإمام الصادق (عليه السلام) وصيته في عدّة أشخاص هم: الإمام الكاظم (ع) وأخوه عبد الله والمنصور الدوانيقي، وأضافت بعض الروايات: ابنته حميدة، وأحد مواليه، ووالي المدينة.. ممّا أدى من جهة إلى عدم قدرة المنصور على قتل وصي الإمام ـ كما كان يخطط له ـ، وقال بعد اطلاعه على الوصية: (ما إلى قتل هؤلاء سبيل!)، وأدى من جهة أخرى إلى وضع الإمام الكاظم (عليه السلام) في دائرة من تُحتمل إمامته، بل تعيينه نظراً لعدم صلوح الباقين لذلك، وقد ورد في بعض الأخبار أنّ أبا حمزة الثمالي قد تفطّن إلى إمامة الإمام الكاظم (عليه السلام) عند اطلاعه على الوصية.

أخيراً أقول: لقد أقام الإمام الصادق (عليه السلام) الدلائل الواضحة على إمامة الإمام الكاظم (عليه السلام) من بعده رغم تلك الظروف الصعبة والمخاطر المحيطة به، واستطاع بعلمه وحكمته أن يحفظ هذه الطائفة حتى يصلوا ـ بعد ضعف وقلّة ـ إلى ما هم عليه من القوّة والكثرة، فعلى الطالب للحقيقة أن يتمسك بالمُحكمات المتمثلة بتلك النقاط الساطعة والحجج القاطعة التي نصبها الإمام الصادق (ع)، وأن يرد المتشابهات ونقاط الحيرة والغموض ـ التي نتجت عن ظروف التكتّم والتقيّة ـ إلى تلك المحكمات.